محمد هادي معرفة

299

التمهيد في علوم القرآن

وكان اجتماعهم على باب المسجد يوميّا ، والناس يأتونهم بآي القرآن وسوره ، كلّ حسب ما عنده من القرآن . وكانوا لا يقبلون من أحد شيئا حتى يأتي بشاهدين يشهدان بصحّة ما عنده من قرآن . سوى خزيمة بن ثابت ، أتى بالآيتين آخر سورة براءة ، فقبلوهما منه من غير استشهاد ، لأنّ رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) اعتبر شهادته وحده شهادتين « 1 » . قال زيد : ووجدت آخر سورة براءة مع [ أبي ] خزيمة الأنصاري لم أجده مع أحد غيره « 2 » وسنتكلّم عمّا جاء بين المعقوفتين . ومن غريب الأمر : أنّ عمر جاء بآية الرجم وزعمها من القرآن : « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللّه » لكنّه واجه بالرفض ، ولم تقبل منه ، لأنّه لم يستطع أن يقيم على ذلك شاهدين « 3 » وبقي أثر ذلك في نفس عمر ، فكان يقول - أيام خلافته - : لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب اللّه لكتبتها بيدي - يعني آية الرجم « 4 » . * * * ثمّ أنّ زيدا لم ينظّم سور القرآن ولم يرتّبهنّ كمصحف ، وإنّما جمع القرآن في صحف ، أي أودع الآيات والسور في صحف وجعلها في ملفّ ، فكان جمعا عن التفرقة والضياع ، ومن ثم لم يسمّ جمعه مصحفا . قال المحاسبي : كان القرآن مفرّقا في الرقاع والأكتاف والعسب وإنّما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا ، وكان ذلك بمنزلة أوراق فيها القرآن منتشرا ، فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء « 5 » .

--> ( 1 ) راجع أسد الغابة : ج 2 ص 114 . ومصاحف السجستاني : ص 6 - 9 . ( 2 ) صحيح البخاري : ج 6 ص 225 . ( 3 ) الإتقان : ج 1 ص 58 . ( 4 ) تفسير ابن كثير : ج 3 ص 261 . والبرهان : ج 2 ص 35 . والإتقان : ج 2 ص 26 . ( 5 ) الإتقان : ج 1 ص 59 .